أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
321
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الرابع : أن « ما » حرف نفي ، والجملة معطوفة على الجملة المنفية قبلها ، وهي وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ والمعنى : وما أنزل على الملكين إباحة السحر . والجمهور على فتح لام « الملكين » على أنهما من الملائكة ، وقرأ ابن عباس وأبو الأسود « 1 » والحسن بكسرها على أنهما رجلان من الناس ، وسيأتي تقرير ذلك . قوله : بِبابِلَ متعلق بأنزل ، والباء بمعنى « في » أي : في بابل : ويجوز أن يكون في محل نصب على الحال من الملكين ، أو من الضمير في « أنزل » فيتعلق بمحذوف ، ذكر هذين الوجهين أبو البقاء . وبابل لا ينصرف للعجمة والعلمية ، فإنها اسم أرض ، وإن شئت للتأنيث والعلمية وسميت بذلك قال : لتبلبل ألسنة الخلائق بها ، وذلك أن اللّه - تعالى - أمر ريحا فحشرتهم بهذه الأرض ، فلم يدر أحد ما يقول الآخر ، ثم فرقتهم الريح في البلاد يتكلم كل أحد بلغة . والبلبلة : التفرقة وقيل : لما أهبط نوح - عليه السّلام - نزل فبنى قرية وسماها ثمانين ، فأصبح ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة . وقيل : لتبلبل ألسنة الخلق عند سقوط صرح نمرود . قوله : هارُوتَ وَمارُوتَ الجمهور على فتح تائهما ، واختلف النحويون في إعرابهما وذلك مبني على القراءتين في « الملكين » : فمن فتح لام « الملكين » وهم الجمهور كان في هاروت وماروت أربعة أوجه : أظهرها : أنها بدل من « الملكين » وجر بالفتحة ، لأنهما لا ينصرفان للعجمة والعلمية . الثاني : أنهما عطف بيان لهما . الثالث : أنهما بدل من « الناس » في قوله : « يُعَلِّمُونَ النَّاسَ » وهو بدل بعض من كل أو لأن أقل الجمع اثنان . الرابع : أنهما بدل من « الشياطين » في قوله : ولكن الشياطين في قراءة من نصب ، وتوجيه البدل كما تقدم . وقيل : هاروت وماروت اسمان لقبيلتين من الجن ، فيكون بدل كل من كل ، والفتحة على هذين القولين للنصب . وأما من قرأ برفع « الشياطين » فلا يكون « هاروت وماروت » بدلا منهم ، بل يكون منصوبا في هذا القول على الذم أي : أذم هاروت وماروت من بين الشياطين كلها ، كقوله : 648 - أقارع عوف لا أحاول غيرها * وجوه قرود تبتغي من تجادع « 2 » أي : أذم وجوه قرود ، ومن كسر لامهما فيكونان بدلا منهما كالقول الأول ، إلا إذا فسر الملكان بداود وسليمان - كما ذكره بعض المفسرين - فلا يكونان بدلا منهما ، بل يكونان متعلقين بالشياطين على الوجهين السابقين في رفع الشياطين ونصبه ، أو يكونان بدلا من « الناس » كما تقدم . وقرأ الحسن : هاروت وماروت برفعهما ، وهما خبر لمبتدأ محذوف أي : هما هاروت وماروت ، ويجوز أن يكونا بدلا من « الشياطين » الأول وهو قوله : « مما تتلوا الشياطين » أو الثاني على قراءة من رفعه . ويجمعان على هواريت ومواريت وهوارته وموارته ، وليس من زعم اشتقاقهما من الهرت
--> ( 1 ) ظالم بن عمرو بن ظالم أبو الأسود الدؤليّ البصري أول من أسس النحو توفي سنة تسع وستين للهجرة بطاعون الحارف البغية ( 2 / 22 - 23 ) . ( 2 ) البيت للنابغة انظر ديوانه ( 55 ) ، وهو من شواهد الكتاب ( 2 / 71 ) ، أمالي ابن الشجري ( 1 / 344 ) ، وهو من شواهد البحر ( 1 / 330 ) ، أحاول : أعالج وأزاول . والمجادعة : المشاتمة وأصلها من الجدع وهو قطع الأنف والأذن .